الظهر
12:05
الأربعاء 17 أبريل 2024 م

رمضان زمان

   بواسطة : محمد بن مصلح ( أبو مشاري ) 2024-03-18

 

كتبه : أبو مشاري

لكل شعيرةٍ دينيةٍ جمالياتُها وذكراها في نفوس المسلمين ، فهم يتعايشون معها منذ أن وعَوا على هذه الحياة ويلازمونها حتى لكأنها أنفاسهم التي لا تنفَكّ عن أجسادهم وأرواحهم ، وتلك نعمةٌ مَنّ الله بها على هذه الأمة فهم يصطحبون دينهم معهم في كل زمانٍ ومكان .

وشهرُ رمضان الذي يحمل فريضةَ الصوم كرُكنٍ رابعٍ من أركان الأسلام يأتي على المسلمين مَرةً في السنة فيأتي كضيفِ رحمةٍ ويرحل وقد ترك قي النفوس جمالياتِ التعبُّد والأجواءَ الرمضانيةَ التي ينتظرها الناس من عامٍ لآخر .

وحين يسترجع أحدُنا رمضانَ في الأزمنة السابقة يجد أنها لا تزال ذكرياته ومعانيه محفورةً على جدار ذاكرته .

ولقد وجَدت روحانياتِ وأجواءَ رمضان في الأرياف أجمل وأنقى وأقرب للنفس منها في المدن رغم ما كان يصاحبها من الظروف الحياتية الصعبة ، لكن شهر الصوم يأتي فيجلي الهمومَ ويطمس المصاعب .

ففي أيام طفولتي وما سمعته ممن سبقونا كان الشعور برمضان يختلف عن هذا الزمان ، فقد كانت حياة الناس في القرية أشبه ما تكون في أسرةٍ واحدة ، فترى المشاعر عَيناً لا حِسّاً ، وتجد الجيران وقد تبادلوا بعض أنواع الإفطار في أجواءٍ أُسَريةٍ تفيض فيها المشاعر .

أتذكر أوقات السحَر حينما كنت أستيقظ على صوت القارئ الشيخ عبدالله خياط رحمه الله وهو يقرأ القرآن بصوته المميز في المذياع الذي يكون الوالد قد بدأ يستمع إليه ريثما يستيقظ الجميع وحتى تُعِدُّ والدتي - عليها شآبيب الرحمة والغفران وأخواتي الأكبر مني - وجبة السحور التي غالباً ما تكون عبارةً عن صحن من ( العَيش ) بمصطلحنا الجنوبي أو قرصانٍ إما مقلوبةًٍ أو مرادفةًٍ أو ملقّاة ، مع اللبن أو مع ( كشنة ) الطماطم ، ولم أكن في طفولتي مكَلّفاً بالصيام بعد ، لكنني كنت أشعر بأجواء مختلفة عما يكون خلال العام فأريد أن أسعد بها .

ولأننا خلال النهار لم نكن ننام بل أن كلاًّ منا له دَورٌ يقوم به ولا نعود للبيت إلا في المساء فقد كان النوم عميقاً خلال الليل لدرجة أنني لازلت أتذكر كيف كانت يدي تسقط بجانب الصحن من شدة النعاس عندما أريد تناول الطعام فكان الوالد والوالدة يمسكان بيدي بإبتسامات ويوجهونه حيث الطعام الشهي .

ولم يكن لدينا في المنطقة تلفزيون يحمل لنا برامج ومسلّيات بل كان مذياعاً نلتف حوله وقت الإفطار ونحن نستمع لعبدالعزيز الهزاع رحمه الله في برنامجه الشهير ( أم حديجان ) فتتسلل البسمة والأُنس إلى نفوسنا ، وكان ذلك في طفولتي ، أما قبلها فيحدثني والدي حفظه الله أنه لم يكن يوجد لديهم حتى المذياع ولكن المناسبات الدينية كانت تُعرف بإطلاق النار فيُسمع الصوت من قرية لأخرى بالتسلسل .

وفي بداية دخول المذياع - والكلام للوالد - كان لا يوجد حولنا سوى مذياعٍ واحدٍ لدى المرحوم بإذن الله سعيد بن صويلح من قرية آل ثعنبة ، وذات يومٍ كان الوالد والجماعة يعملون في مزارعهم في آخر يوم من رمضان على حد توقّعهم حتى سمعوا سعيد بن صويلح ( ضَحوة ) بتوقيتهم يطلق بندقيته حيث سمع في المذياع أن ذلك اليوم هو يوم العيد ، فترك الناس شئون مزارعهم وعادوا للبيوت ولبسوا ثياب العيد وتوجهوا لمصلى العيد وعمّت بهجة العيد حيث أنقضى شهر الصوم ورحل رمضان بذكراه العَطِرَة .

دمتم سعداء .