العصر
3:30
السبت 15 يوليو 2024 م

ليلةٌ تهاميّة

   بواسطة : محمد بن مصلح ( أبو مشاري ) 2024-05-04

كتبه : أبو مشاري

عندما يريد السَراوي أن يجدَ الراحةَ وانهيالَ الضغوطِ من علياءِ نفسِه ، فإنه يفكِّر في نزهةٍ إلى سهول تهامة لسويعاتٍ أو لأيام ، ذلك لأن تهامةَ معهودٌ فيها الراحةُ أكثر من السَراة ، وهناك من يعزو هذا الشعور إلى إنخفاضِها إلى مستوى سطحِ البحرِ مما يزيدُ من طولِ عمودِ الضغطِ الجوي والذي بالتالي يعادلُ الضغطَ داخلَ جسمِ الإنسانِ فيحصل توازنٌ يشعرُه بالراحة ، وهناك من يرى أن الخالقَ عَزَّ وجَلَّ دحَى سُهولَ تهامة أكثر من جبالِ السرواتِ النايفةِ فسَهُلَ التنقلُ والسيرُ فيها ، وهناك من لا يجدُ تفسيرًا لذلك الشعور بَيدَ أنه لا يهتم إلا بما يجدُه مباشرةً دون عناءِ البحثِ عن مبرراتٍ وأسباب .

هذا الشعورُ كان رفيقي حين تلقيتُ دعوةً كريمةً من صديقٍ عزيزٍ وزميلٍ ( بقروب ) مجلس بلقرن هو الأستاذ / أحمد العِمَاري القرني أبو نرجس ، دعاني ضمن مجموعةٍ من أعضاءِ المجلسِ القريبين من المنطقة ، وصادفَ أن كنت في محافظةِ بلقرن وقت دعوتِه فقبلتُها دون ترددٍ خصوصاً أنني ضمن مجموعةٍ قد سبق قبولُهم للدعوة ، إضافةً إلى أنني من عُشّاق تهامة رغم أنني أعيش فيها أصلاً بمدينة جدة ، ولكنني عندما أكون في سراةِ الجنوبِ أشعرُ بأن تهامةَ هي رئةٌ ثانيةٌ أتنفسُ فيها عبقَ البركِ والريحانِ وأتعاطى مع الراحةِ التي سبَق أن أشرت إليها .

فأنطلقتُ عصرَ أمس الجمعة من منزلي في السراةِ بمحافظةِ بلقرن وأعملت ( القوقل ماب ) كدليلٍ لي في مضاربِ تهامة .

وكانت ( عقبة ) بلقرن بآل الزارية هي أقرب طريق لي يصلُ السراةَ بتهامة إذ لا تبعد عن منزلي سوى أربعة كيلو مترات ، 

وفي الطريقِ شدّني جمالُ الطبيعةِ بمركز الشفا عامةً ثم وجدت سيارتي تنسابُ في ذلك الطريق المتعرّج بين صفَحَات وتضاريس تلك الجبالِ الشاهقاتِ التي تزيُّنها الأشجارُ الخضراءُ صافيةُ الألوانِ والتي كانت الأمطارُ المتوالية قد غسلت أوراقَها وأروت غصونَها وجذوعَها حتى أصبحت زاهيةَ الألوانِ نقيّة .

كانت قبيلةُ عمارة على بعد حوالي ٦٠ كيلو مترًا من مدينةِ ثريبان التي كنت قد وصلتها وهو ما يعني مسيرة ٤٥ دقيقة جنوباً بالسيارة .

وصلت إلى ديوانيةِ أخينا ومضيّفِنا أبي نرجس والتي تطلّ على الوادي في قبيلة عمارة بعد صلاةِ المغربِ مباشرةً .

وقد حضرَ من قروبِ مجلسِ بلقرن كل من : 

١ - رجل الأعمال سعد بن حزمي

٢ - الشيخ سلطان بن دخيل

٣ - محمد بن مصلح ابو مشاري

٤ - العميد حسن بن عبدالرحمن

٥ - الأستاذ محمد احمد الرزقي

بالإضافة إلى مضيّفنا الأستاذ أحمد أبو نرجس .

ولقد تشرفنا وسعِدنا بلقاءِ والدِ مضيفنا وعددٍ من كبارِ السن وبعضِ أبناءِ القبيلةِ الذين كانوا يتواجدون في إستقبال الضيوف .

ثم دعانا أبو نرجس إلى صحافٍ من الدخن الذي تذوقته حقيقةً لأولِ مرةٍ وكان بحق من أشهى أنوعِ ( العيوش ) قبل أن نعود لمجلسِ الديوانيةِ وبدأت الأحاديث تدور .

وقد كان يتواجد معنا في السهرة المؤرخُ الشاعرُ الأستاذُ / عبدالله الرزقي الذي أتحفَ مشكوراً الحضورَ بقصائدَ ورواياتٍ تاريخيةٍ أستحسنها الحضورُ حتى دعانا والدُ المضيّفِ إلى تناولِ طعامِ العشاءِ في مَطلّ الديوانيةِ في أجواءٍ رائعةٍ كما هي ليالي تهامة في مثل هذا الوقتِ من العام .

وقد تقدّم جماعةُ أبي نرجس بدعوةِ الحضورِ لوجبةِ غداءٍ أو عشاءٍ ولكن الجميعَ أعتذروا لمشاغلِهم .

ثم ودّع الجميعُ بعضَهم بعد ما أبتهجوا بالأجواءِ المناخيةِ والإجتماعيةِ التي حفَّت المناسبة ، فكانت ليلةٌ تهاميةٌ من أمتع الليالي وأجملها .

أستقليت سيارتي في منتصفِ الليلِ وكانت مصابيحُ السيارةِ تخترقُ دهماءَ الليلِ في سهولِ تهامة في حين كنت أردد إقتباساً بتصرّفٍ من بيتين للشاعرِ الشيخ المرحوم بإذن الله بن نالة وأقول :

الليل سَاري وانا سَاري ..

وبيتَنا يعتلي السَراة 

يا بخت من بالكرَم ضاري ..

عَزً الله أن الوفِي شَرَاه

دمتم سعداء .