العصر
3:30
السبت 02 مارس 2024 م

من ذكريات الماضي الجميل في بلاد الخير

   بواسطة : جمال بن صالح 2023-08-28

كتبه البروفيسور أحمد بن ظافر القرني

أرسل أحد الأخوة الكرام في مجموعة حينا بمدينة الخبر ( المقطع المرفق) أعيد إخراجه وتمثيله حديثا عن التنقل منذ نحو 6 عقود بين الطائف والديرة وقصة انطلاق رحلة زمان من متحف قصر السلطان ببني عمرو بالسيارات القديمة اللوري موديل 66  والونيت الفورت موديل  61  متجهين الى ضواحي مدينة الطائف عبر الطريق القديم ، أعد هذا العمل وكتب السيناريو علي بن حسن العمري ، وقام بتنفيذه أبناءه ( حسن ، وليد ، تركي ، حسين )  بتاريخ  1 / 8 / 2023م الموافق 14 /  1  /  1445هـ ، فكتبت عنه في عجالة بعض الذكريات التالية :

 ذكرنا هذا المقطع الجميل ببعض من ذكريات الطفولة والماضي الجميل، ففي رحلتي الأولى مع العائلة من الخبر ( مكان مولدي) إلى الطائف ثم الديرة بقرية آل عمران بلاد  بلقرن وكان عمري بين 3 - 4 سنوات وقد قضيت فيها نحو 3 سنوات ولكني لا أتذكر الطريق خاصة بين الطائف والديرة في الرحلة الأولى، ثم رحلتي الثانية من الخبر إلى الديرة التي أذكر كثير من طريقها حيث كنت في الصف الخامس وعمري نحو 12 - 13 سنة، وقد بقيت فيها نحو سنة. وكان الطريق المزفلت ينتهي بعد نحو نصف كيلومتر من جنوب الطائف، وكانت السيارات تقطع المسافة من الطائف إلى قريتنا في نحو 4 - 5 أيام، بمعدل سير نحو 50 - 60 كم في اليوم ( وليس في الساعة، حيث تقطع السيارة في الساعة أحيانا أقل من 5 كم )، وقد استخدمت السيارات الطرق البرية الوعرة في المنطقة التي تقع شرق الطريق الحالي، حيث أن جبالها أسهل نسبيا من التي غربها القريبة من الشفاء والشعاف والتي يصعب جدا الوصول لها بالسيارات سابقا. وكانت بعض السياراتعع تتعلق في بعض الصخور أو ترتد للخلف عند الطلوع أو الهبوط من الجبال، فيستخدمون الحجارة لتوضع خلف أو أمام عجلات السيارات لتمنع تراجع أو انحدار السيارات، وقد يصيح السواق للمساعدين ومنهم بعض الركاب " حجروا لها... حجروا لها " يقصد ضعوا الحجارة لدعم العجلات حتى لا تتراجع أو تتقدم بسرعة في صعودها الجبال أو نزولها، خاصة أنها محملة بالركاب مع عفشهم الثقيل ومؤونتهم للطريق وللقرى، فينزل المساعدون ومعظم الركاب ليتعاونوا في دفع مركبتهم العظيمة على الطريق، وكان من المعتاد أن يقفوا لطبخ وتناول بعض الطعام وقد يشمل وجبة تعتبر في ذلك الزمن فاخرة من لحم التيوس أو الغنم ويتخلل ذلك شرب مرق اللحم اللذيذ وتدسيم الوجه والشاربين واللحية واليدين وقد يصلوا للرجلين بشحم الذبيحة، وأحيانا تكون الجلسة تحت ظل الطلح وبعض الأشجار على ضفاف الوديان الخضراء التي قد يجري فيها الماء عذبا زلالا، وتجد نار القهوة والشاي ومعها الخبز والتمر ونادرا الرز ( وهذه الأطعمة أكثر ندرة في القرى في ذلك الزمان بل قد لا يوجد فيها غير الخبز اليابس المتين المخبوز على جمر الحطب  منذ أيام فيأكلونه مع شرب الماء ). وكان الذكر والصلاة من أظهر الأمور بين الركاب في الطريق، وقد تسمع بعضا من القصص العجيبة والأناشيد والألحان والقصايد الجميلة، التي تكثر في فترة سير السيارة في الطريق ويزداد جمالها ليلا. 

وكان لا يوجد في القرية ذات المئات من الأنفس إلا قلة قليلة يستطيعون الكتابة البسيطة، ولذلك يتنقل الكاتب ضيفا مكرماً بقهوة وقليل تمر وكسرة خبزة من بيت لبيت ليكتب لصاحب كل بيت يدخله خطاباً لإبنه في الغربة ليبين له بعد السلام والتحيات والأشواق بعضاً من أخبار الديرة وأمطارها وزراعتها ومحصودها والأعراس والعرضات والمواليد والوفايات والمشاكل والصلح فيها، ثم بعد ذلك يشكوا الحال لإبنه قلة الأمطار والمحصولات ليرسل له بعجالة الدراهم المحفوظات وبعضاً من العازات مثل التمر الصفري والحواية والبن والأقمشة والبهارات، وممكن يطلب سلاح من جنبية أو بندق وذخيرات ، ولعله يعلل لإبنه أن المطر قليل والمحصول والزاد هذه السنة محدود أو أنه يحتاج يشتري ثور مشتركاً مع إخوته أو جيرانه ليحرث البلاد ويسقي الزرع به على البئر وليدوس سنابل الحب في عرصات اليرين ( الحوش )، من أجل فصل الحب من سنبله ثم يُذرى في الهواء الطلق لتنقل الرياح بقايا السنابل بعيدا عن الحب الذي يسقط على الأرض كأنه لؤلؤ مكنون في قيمته، ثم يجمع في الأكياس الغالية التي أحياناً كثيرة تخترقها السوسة الحقيرة. ولا بد أن يأتي القوم بالحطب من القفرة ( جمعها قفار ومفردها قفرة ) كمصدر للطاقة لمثل الإضاءة والطبخ في الكانون ( وهو حوض وسط الحجرات بديلاً للمطبخ والفرن اليوم )، وفيه تتم تجهيز المطبوخات وحوله تقرأ الآيات والمكتوبات ليلاً، ولا شك أن النار تطفىء من بعد العشاء لينام عباد الرحمن في سكينة وقد يعكرها قرصات بعض الحشرات اللئيمة، مثل البق الذي يزور النيام فيمتص من دمائهم الحمراء حتى يروي غليله، وكأنه طير يسترزق قد ورد خماصاً بلونه البني ويعود بطاناً بلون الدماء المعتدى عليها، لذلك تجد بعض قومنا الطيبين يستخدم الأكياس لينام داخلها بعدما يربطها من الداخل لتحميه من عدوان هذا المخلوق المتطفل.

وقد يأتي الجراد بكميات رهيبة تكاد تخفي ضوء الشمس ليتحول النهار ليلاً وتجده قد حل فوق الأشجار والنباتات وتراه فوق الحدبة الحدباء ( الأرض ) متراكماً لبدا بعضه فوق بعض، وقد قضى على معظم المحاصيل إن لم يكن كلها، فيهرع الناس يجمعونه وهم بين الحزن والفرح، فلفُقد محاصيلهم يحزنون ولجمعهم الجراد يفرحون، ثم يطبخون ليخزنون هذا المعتدي الفتاك في قدور وجفان راسيات ثم يجمعون وينشرون الجراد المطبوخ على السطوح لتأتي الشمس تجفف، وصغار القوم من البنين والبنات تتلهف لتلقط بعضه خلسة ليتذوقون ما لذ وطاب منه، دون علم الكبار الذين ينهرون ويؤدبون ولا يسمحون بأخذ شيء إلا في حينه بقسمة عليها يتفقون، ليكفي الجراد كل القوم من صغير وكبير لفترة من الزمان قد تطول، وليكون عوضاً عن ما أعطب الجراد من غذاء ومحصول.

وهذا يُذكرنا بتجفيف الربيان وصغار السمك على سطوح أهلها الطيبين في مدينة الخبر العامرة على ضفاف الخليج العربي، حيث كانت في شيء من متع الحياة والنعم تزيد نسبياً على الديرة في الجنوب، مع أنك تجد أن معظم أهل الخبر يمر عدة أيام وهم يأكلون الخبز الهولي مع شاهي الحليب وبعض الرز ( بدون لحم أو سمك )، ومرة أو مرتين في الأسبوع يطبخ نحو كيلو غرام من اللحم أو السمك وقد يوزع على عائلة متوسطة العدد في الغداء ، وقد كان الصغار يفرحون إذا جاءت الإجازة المدرسية الصيفية ليصطادوا بعض أنواع السمك والربيان حتى في حر شمس الظهيرة حيث ينشرون الربيان في الشمس قد تكون مثل نشر الجراد في الجنوب على السطوح، ولكن لمدة قصيرة قد لا تصل ساعة عند الصغار المستعجلين، وقبل أخذه للبيت يلتهمون كثيراً منه وهو نياً بنكهت ملح وشمس الخليج العربي.

وقد كانت اللهجة في ذلك الزمن بين قرية آل عمران ببلقرن في الجنوب ولهجات أهل الصبيخة بالخبر بينها فارق بيّن، حيث يكاد البعض لا يفهم معظم ما يقول الطرف الآخر، لكن مع الزمن تقاربت المناطق في نسيج واحد ذو ألوان متفاوتة، وتقاربت مستويات المعيشة وعم الخير، وتقاربت الفهوم و الثقافات في تقافة الوطن الغالي ذات النسيج الواحد الموحِد لله بقيَّمه العربية والإسلامية الواحدة وبتقاليده العريقة المختلفة الألوان والأطياف ولكن في نسيج واحد تحت راية التوحيد " لا إله إلا الله محمد رسول الله "

فالحمد لله الرازق الكريم على نعمة الدين والوطن والأمن والأمان والرخاء والنماء.

بسبب العجالة في كتابة المقالة فإن تقدير مدة زمن السير من الطائف إلى آل عمران بلقرن ليس دقيقا، فهو ليس هدفا رئيسا للمقالة، وممكن أن الزمن أقل من ذلك، إلا في حالات المطر الغزير والأعطال المختلفة، ومن الأفضل أخذ رأي السواقين والخبراء في ذلك الزمن، والله أعلم ، والحمدلله رب العالمين ..

 

لمشاهدة الفيديو إضغط هنا