العصر
3:30
السبت 15 يوليو 2024 م

خِتانُ مرعي

   بواسطة : محمد بن مصلح ( أبو مشاري ) 2024-05-18

 

كتبه : أبو مشاري

 كان اليومُ الخامسُ من شهر الفِطر الاوّل ( شوّال ) يومًا ضَرَبَ فيه الجَمَاعةُ موعدًا لخِتَانِ مجموعةٍ من فِتيانِ القبيلةِ في ( بَطينة امقَرَى ) تلك الساحةُ المعتادةُ للخِتان  .

وكان مرعي هو أحدَ أولئك الفتيانِ الذين سوف يُبتَلَون بحَدّ سَكّين الخَتّان ذاتِ اللونٍ الأسودٍ المحروق والتي كان قد طَرَقها الحدّاد منذُ سنين ولازالت تُستعمَلُ في الخِتان ، وقد بالغَ الحَدّادُ في طولِها لتأكلَ من أجسادِ أولئك الفتيةِ ما يُشبِعُ نَهَمَها . 

وطيلةَ شهرِ رمضان كان مرعي ذو الإثني عَشَرَ ربيعاً يصومُ رمضانَ ليلَه مع نهارِه رغمَ أنه لم يُكلَّف بعد إذ لم يَبلُغ الحُلُمَ آن ذاك ، إلا أن أهوالَ اليومِ المرتقَبِ تحفُّه من كل جانب ، ومع ذلك كان يَكتُم مشاعرَه المُتوجِّسَة خيفَة يومئذ ، فمنذُ أن وعَى على الأرض وهو يسمعُ عن يومِ الخِتَان وما يتطلبه من رَباطَةِ جأشٍ وعزيمةٍ تَرفعُ رأسَه ورؤوسَ أهلِه أو لا قَدَّر الله يُذَلُّ فيه الجميع .

أنتهى شهرُ الصيامِ وتعايد الجماعةُ كما هم في كل عام ، وجَعلَ مرعي كغيره من رفاقِ الخِتَان يَعُدّون الأيامَ وينظرون برهبةٍ لليومِ الخامس . وجعَل أهلُ كُلِّ فتىً يوصونَه أن لا يبكي بل ولا يتحرّكْ له بَدَنًا أو يرمشْ له رِمشا ، وأن هذا الموقفَ هو ما سوف يصنع منه فارسًا ضِرغاماَ في القبيلةِ ويرفعُ رأسَ أبيه وأهلِه ، وكلما زادت الوصايا والتحذيراتُ كلما زادت المسؤليةُ وتضاعفَ الحِملُ وارتعدت الفرائص ، وهذا دَيدَنُ النفسِ البشريةِ خصوصاً حُدَثاء السِن .

حَلَّت الليلةُ السابقةُ لليومِ الموعود ، وانبرَت أمُّ مرعي بتجهيزِ هِندامِه ومن بين ذلك حِزامٌ من الجِلد ( عَرَقَة ) ووثّقَت فيها سِكّيناً صغيرةً وقالت : ( فالصُبح تحَزَّم نفدا ولدي بتيه واغد ريّالو ) ثم أستلم والدُه الدورَ فصَبّ عليه الوصايا صبّا حتى لكأن ثِقَلَ هذه الوصايا لِتَنوءَ منه الجبال .

أشرَقَت شمسُ اليومِ التالي في لَحظةٍ كان مرعي يتمنى أن تتطاولَ به الأيامُ عن هذا هذا اليوم .. وأتت الأمُّ ( بفَكُوك امريج عبارةً عن قُرص حُنطةٍ وسَمن بقرٍ يلمعُ صُفرةّ كلمعِ الذهَب وقالت : هَيّا فُكّ الرِيج يا مرعي مع بوك عَنّك تصبِر على امختَان وتطيج تعرُض مع اليماعة ) . وبعد هذه الوجبةِ الدَسِمةِ أحتزمَ مرعي بعرَقَتِه وشَفرتِه ، أما أبوه فأحاطَ وسطَه بجنبيةٍ هنديةٍ ذات لونٍ فِضّي وبحِزامٍ عودي اللون مُرَصَّعٍ بنجومٍ زاهيةٍ وخُيوطٍ جلديةٍ بيضاء يزهو بها الحزام ، وخَرجوا متجهين لبطينةِ أمقَرى .

ياله من شُعورٍ أنتابَ الفتى مرعي حين دَلَفَ مع والده إلى هذه الساحةِ فكأن مشاعرَه لا تَقِلُّ عن مشاعرِ محكومٍ بالإعدامِ أنزلوه لساحةِ القصاص . وقفَ الفتيانُ ذَوَو الأعمارِ المتقاربةِ صَفّا وسطَ الساحةِ ووقفَ أباؤهم وبقيةُ الجماعةِ من ورائهم .

لم يكن يُدرِكُ المجتمعُ يومئذٍ أن لكل فتىً قُدُراتٍ تختلفُ عن الآخرِ من الناحيةِ العصبيةِ وما يتبعُها من إحساسٍ أو من ضَغطِ الدمِ الذي يرتفِع جَرّاءَ الهواجسِ من القادمِ وخاصةً إثْرَ الشَحنِ الأسري والمجتمعي الذي تم ضخُّه على الفتيان ، ولم يكونوا يدركون تلوثَ سِكّين ذلك الخَتّان حين لم تكُن توجدُ أجهزةُ تعقيمٍ ، بل تنتقلُ من جَسَدِ الأولِ من الفتيانِ إلى الآخِرِ دونَ تعقيم .

بدأ الخَتّانُ من الجهةِ اليمنى لصَفِّ الفتيانِ الواقفين وسط الساحة والجماعة يعرضون صادحين بقصيدةِ ِالشايب ناصر يدعو فيها الجماعةَ للتشاورِ حولَ توزيعِ الفتيانِ على الجماعةِ للعشاءِ إحتفاءً بالمناسبة ، ومن جانبٍ آخر يُحفّز الفتيانَ على القوةِ والعزيمة ، قال فيها :

أشتوروا يا صُلب راسي ..

أشتوروا شور اليَميل

اليوم جِطَّاع المواسي ..

يا ويل من قَلبَه ذَليل . 

وعندما وصلَ الدورُ إلى مرعي أخَذَ شَفرتَه الصغيرةَ ورفعها بيدِه اليمنى عالياً وقال : ( أنا مرعي وبويه مهدي وخالي محمد ، أُختُن يا ختّان ولا تقتاسي .. فأنا بين إيديك حديدن قاسي ) قال الجميعُ وَنعِم بك يا مرعي وببوك وخالك .

ثم باشرَه الخَتّان فختَنه ولكنه أوغَلَ نحتًا في الخِتَان ، فقال مرعي وهو ثابتٌ صَابرٌ جَلِد : ( عِلّها يا خَتّان عِلّها ) بمعنى أعِدها كنوعٍ من الثَباتِ والتحمُّلِ والشجاعة ، وكان الفتيانُ  ( يهدِرون ) إذا تألّموا ويحوّلون البُكاء إلى ( هديرٍ ) كهديرِ الجمَال حتى يُغطّي على البُكاء . وفجأةً أخَذ جَسدُ مرعي يَنزِفُ بسببِ إهتزازِ الجسمِ أثناءَ عرضتِه مع الجميع ، وكذلك بسببِ جسامةِ الخِتَانِ والمبالغةِ فيه .

سَقَطَ هذا الضحيّةُ مغشيًّا عليه لإنخفاضِ الدورة الدموية جرّاء النَزف وشِدّةِ الألم ، وحمله والدُه إلى منزلِهم في القريةِ البعيدةِ عن مسرحِ الخِتَان وفي الطريقِ فاقَ مرعي من غيبوبتِه ، وفي المنزلِ جعلَ والدُه ووالدتُه يعتنيان به في ظِلِّ عدَم وجودِ مستشفياتٍ في تلك الحُقبةِ من الزمن .

أخذَت صحةُ الفتى في التذبذب ، فتارةً يُغمَى عليه وتارةً يفيقُ ، فكميةُ الدمِ النازف أرهقَت جسَدَه النحيل . وبعد هذا اليوم بيومين سَمِع أحدُ رجالِ الجماعةِ بما حَصل ولم يكُن حاضرًا يومَ الخِتَان فأتى للقريةِ فقابلَ أحدَ جيرانِ مرعي فقال له الجار : ( هَيّا عَدّ هَلَم الله يحييك ، قال الزائر : الله يبجيك ولا بازلّ من نيه وجذيه ، ودّي أعدِّي أعفّي على امبَثر ذا يقولون عال يوم امختان ، إنّي ما حاظيت ذاك اليوم على شان دَعَبت أودّي مَيرن لولدي في تهامة مع امغنم ثَمّ ) ، وذهَبَ فطَرَق بابَ حوش والد مرعي ( بحِلْجَة أمباب ويصيح يا مهدي .. يا مهدي قال أرحب .. عَدّ هنيه .. قال أتيت اعفّي على امبَثر هيا بشّرني عساهو عوّد بخير ؟ 

قال والله يا سعيد ان حالته ما تطيب لك ، غير مذا ودّك نعبا ما معنى بَصيرة ، آني مع راسوه أنا واموه ، مرّة يعِيل ومرة يقوم . قال سعيد هيّا عاين لي أتيت له بذِفّايو من تهامة هَب لوه منهو مع امزاد والله يعافيهو ) .

وفعلاً أستمرت معالجةُ مرعي بالذِفّاء ( الرشَاد ) وبعد أسبوعين أصبَحَ في أفضلِ صَحّةٍ والحمد لله . أما بقيةُ الفتيانِ فجالوا القبائلَ المجاورةَ كالعادةِ وأستقبلوهم على وجَبات غداءً وعشاءً لعدةِ أيام .

ذلكم هو ما كان يشبه التعزيرَ لفتيانٍ أبرياء سُفِكَت دماؤهم وتأثرت نفسياتُهم على كِبَرٍ دونما ذنوبٍ اقترَفوها بل ودون مُخدِّر طِبّيٍ هو ضرويٌّ لمن كَبُر بعدَ سِنِّ الفِطَام .

دمتم في صحةٍ وسلامة .