الفجر
4:00
الأحد 21 يونيه 2024 م

عندما ( أَچلَتّْ مع بن مرزن )

   بواسطة : ركبان بن طاهر 2023-12-15
السلام عليكم ورحمة الله وبعد:
.../ فقد إستمعت وغيري، الى مقطع صوتي بلهجة احدى قبائل الجنوب المعروفة، وهو يسردُ فيه احدى القصص التي وقعت في زمن مضى خلال إحتفال المدراس بالانشطة التعليمية والترفيهية.
…/ ولن أقف هنا عند عراقة القبائل واصالة رجالها ولا عند جمال القصة في سردها وصورها من قبل الراوي الذي ابدع في ذلك،ولن أقف عند شخص ( إبن مرزن ) والذي يُعد واحداً من آلاف "المرازن" الذين تفخر بهم قبائلهم وتؤرخ صفحات مئاثرهم( غفر الله لهم ورحمهم الله احياءً وامواتا).
…/ولكنني أقف أمام (صورة ذهنية، قدحت في مخيلتي ) عند الاستماع لهذه القصة الطريفة،،ألا وهي صورة (المعتقد القبلي التقليدي) وخاصة في الازمنة الغابرة، لدى كل القبائل والعشائر "حاضرة وبادية" وبالأخص في جزيرة العرب، والذي لم يكن هذا ( التقليد العقدي) ليسمح بأي شكل من الاشكال للنيل من مقام القبيلة او هيبة العشيرة..- سواء على حق وإلا باطل-.
وهذا الأمر شديد الصرامة كان له الاحترام والتبجيل من الجميع، وكانت تقام من اجله الحروب وتسل السيوف حتى تراق الدماء وتزهق الارواح ، أي انها ثقافة الاقوام وتعاليم الارث والمعتقد القبلي والعشائري، وقد كان له مايبرره على الاقل لدى المنظومات القبلية قديماً.
ومع ذلك فقد كانت تحترم المواثيق وتصان العهود واعظم مايسود به السلم في تلك الازمنة هو ( الصلح والاصلاح ، بعد ان تُثخن الكواهل بالجراح ) سواء بين الافراد او الجماعات، وإن كان للجور مجال وللغلبة مقال، من قبل بعض الاقوياء والمتنفذين، إلا أن العدل يبقى هو المنشود وهو صاحب العلم المنصوب، والراية البيضاء.
وفي الحقيقة ان القبلي يفخر بماضي الاباء والاجداد، بل ويتغنى بتلك الامجاد التي سطرها أسلافه من اجل البقاء والعيش بكرامة وشرف، حتى ولو تعدى في سبيل ذلك الحدود، فصال وجال وظلم وجار، فتلك طباع جُبل عليها الناس في تلك ( الحِقب ) وقبل حدوث هذه الحادثة الطريفة ربما بمئةِ عام، حيث لا سلطان يطاع ولا أمنٌ مشاع، 
../ وأما اليوم ولله الحمد ومنذ توحيد اجزاء هذه البلاد مترامية الاطراف على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل ال سعود رحمه الله، فقد ساد العدل وحل الامن وانتشرت ثقافة الوطنية والترابط الاجتماعي ونبذ الفرقة والتعصب، في ظل مبادئ وتعاليم اسلامية سمحة، بل واضحت السعودية مناراً للاسلام المعتدل ومنطلقاً لنشر ثقافة التعايش الانساني على ظهر البسيطة.
…. ولكن/ ومع الأسف، وربما أن هذه الجزئية هي ما دعتني للكتابة عن هذا الامر، ذلك/ أن بعض التقاليد المتشنجة والطبائع المتعصبة لازالت لها حضور مشهود لدينا (نحن ابناء القبائل) وخاصة في المنطقة الجنوبية، وإن كان هذا الحضور بشكل ضيق أو صورة باهتة، إلا أنه سرعان ما يترائى ويظهر على شكل الحمية او العصبية، وأكثر ما تقوى شوكته عند حصول الحوادث الطارئة كجرائم القتل أو الاعتداءات المختلفة سواء على الانفس او الممتلكات، حتى أن البعض يخرج عن طور الانظمة المرعية في البلد الى بعض العادات القبلية فيتعامل من خلالها مع القضايا والحوادث، التي لا يخلو منها أي مجتمع أو بلد.
وفي الحقيقة أن مما ساعد على إستدعاء هذه العادات السلبية البالية، هو ظهور بعض الفئات من ابناء القبائل في ثوب حماة القبيلة وصون جنابها من خلال العنترية والمكابرة وشوفة النفس على الغير أومايسمى (الهياط) مستغلين انتشار وسائل الاعلام الفضائية والتواصل الاجتماعي ومنابر الشعر الشعبي، لتمرير هذه الرسائل السلبية -بقصد وبغير قصد- والتي بدورها تقلب الموازين لدى المجتمع وخاصة الشباب وترسخ في الاذهان بعض الصور الخاطئة عن المعنى الحقيقي لـ(القبيلة والعشيرة والعاقلة) ودور تلك الفئات في منظومة المجتمع الواحد والوطن الام).
وهذا قد يقدح في الصورة الزاهية للقبيلة والمتشكلة من (مكارم الاخلاق وحفظ العهود واحترام الجار ونجدة المضيوم وإقالة العثرات، والاندماج في وحدة الوطن،والولاء لولاة الامر، ومالا يحصى من الجوانب الايجابية والصور المشرفة التي تقوم عليها القبيلة منذ نشأت الخليقة الى ان يرث الله الارض ومن عليها).
وأخيراً/ فالتحية الخاصة لـ ( إبن مرزن ) صاحب معركة بدر الافتراضية.
وأما ("بعض" مرازن اليوم، فالدعوة لنا ولهم بالثبات على مايرضى الله والاجتماع على مايصلح القلوب والدروب).
هذا والله من وراء القصد وهو الهادي الى سواء السبيل.
كتبه/ ركبان القرني.
عضو فريق السلم المجتمعي بأمارة منطقة عسير
أمين لجنة اصلاح ذات البين ببلقرن/
غرة جمادى الثاني ١٤٤٥هـ.
* أچلت في نفس فلان- أي : أكلت في نفسه، أو حز في نفسه.