الفجر
4:00
الأحد 21 يونيه 2024 م

تعطيلُ الإبداع

   بواسطة : محمد بن مصلح ( أبو مشاري ) 2023-11-14

كتبه : أبو مشاري

---------------------

وهَبَ الله سبحانه وتعالى نعمةَ العقلِ للبشرِ بمستوىً يتميّزيون به عن بقية المخلوقات ، فهم بهذا العقل يتعبّدون اللهَ على بصيرةٍ ، ويعمرون الأرض ، فقد جعلهم اللهُ خلفاءَ في الأرضِ منذ بدءِ الخليقةِ حتى قيامِ الساعة . تذهبُ أجيالٌ وتخلُفُها أُخرى في دورةٍ حياتيةٍ وضعها اللهُ لتعاقُبِ الأممِ في نَسَقٍ بديع .

إن من يقرأ التاريخَ يجد أن الأممَ مرّت بحضاراتٍ مختلفةٍ ومتأرجحةٍ كالموجِ يعلو تارةً ويهدأ تارة ، وتلك حكمةٌ من اللهِ لتوازنِ الحياةِ على هذا الكوكب . ويتطورُ العقلُ البشري في كل مرة من واقعِ ترادُفِ الخبراتِ والتجارب ، فتنشأ العلومُ والإختراعاتُ والإبداعاتُ الفكريةُ والإنسانيةُ بشكلٍ عام . وشواهدنا في ذلك ما وصلَ إليه العالمُ اليومَ من علومِ الفضاءِ والطبِّ والصناعاتِ المتقدمةِ من طائراتٍ وسُفنٍ وأسلحةٍ وثورةٍ في الإتصالاتِ والتقنيةِ وغيرها ، حيث بلغَ العالمُ اليومَ مكانةً لم نقرأ في تاريخِ الأممِ أن أمةً من الأممِ السابقةِ قد بلغت هذا المبلغَ الصناعي والحضاري والطبي والعسكري وغيرها منذ أن خلَقَ اللهُ سبحانه وتعالى سيدَنا آدمَ عليه السلام حتى يومِ الناسِ هذا .

ما هو ملاحظٌ سادتي مع كل هذا التقدمِ الفكري والصناعي أننا في مجتمعنا العربي وقد يكون الإسلامي تكادُ تنعدمُ لدينا الثقةُ بما وهبنا الله من نعمة العقلِ هذه فلا نسمحُ لأنفسِنا بإعمالِ هذا العقلِ بالشكلِ الكاملِ في الكثيرِ من أمورِ الحياةِ - وبالطبعِ مع الأخذِ في الإعتبارِ تقديمُ النقلِ في أمورِ الدين - رغم أن اللهَ عز وجل شرّعَ لنا هذا الإعمال ، فوردت في القرآن الكريم مصطلحاتٌ كلها وظائفٌ للعقلِ البشري منها :  يعقِلون ، يتدبّرون  ، يتفكّرون ، يفقَهون  

 - فلو أخذنا مثلاً مصطلحَ الحكمةِ نجدُ أننا لا نتصوّر في زماننا وجودَ أي حكيمٍ ، متصوّرين أن الحكماءَ هم أهلُ الأزمنةِ الماضيةِ فقط ، وما أجيالُنا هذه إلا تابعةٌ لمن سبقَهم مع تعطيلِ الإبداعِ والفكر ، فمثلاً عندما نقرأُ أو نسمعُ جملةَ ( قال أحدُ الحكماء ) يتبادر لأذهانِنا مباشرةً أن ذلك الحكيم هو ممن عاشوا في الأزمنةِ الماضيةِ وقد تكون السحيقةِ ، ونتخيله ذلك المُسِن مرتدي العباءة ، كثّ اللحية البيضاء وغزير الشوارب ، يلف رأسَه بعمامةٍ بيضاء ، ولا يخطرُ ببالِنا أن هذا الحكيمَ القائلَ من أبناءِ زماننا هذا . لماذا لا نعترف بحكماءِ زمانِنا هذا فنسمّيهم حكماءَ كما أسمينا الأولين ؟ أم أن عقولَ أهلِ هذا الزمانِ تراجعَت القهقري ولم تعُد بكفاءةِ عقولِ من سبقونا رغم هذا الثراء الفكري والحضاري ؟ .

* أيضاً الإجتهادُ في أحكامِ المسائلِ الشرعيةِ الفقهيةِ المُحدَثةِ والنوازلِ التي طرأت في زماننا هذا والتي لم تكن موجودة في الأزمنة السابقة التي كان الإجتهاد معمولاً به ؟ هل نحن نفتقد للعقول المجتهدة من علماء هذه الأمة ؟ كلا .. فلدينا الكثيرُ من العلماءِ الخُلّصِ الذين بلَغوا شأواً عظيماً في العلوم والبحوث حتى نالوا أعالي الشهادات وعُرِفوا بعملِهم وموثوقيتِهم وفقهِهم الواسع ؟ وغير تلكُم من المسائلِ التي لا يتسعُ المجالُ هنا للتطرّقِ لها .

حبذا لو شجّعنا الأجيالَ على التفكيرِ وإستثمارِ خزائنِ العقولِ التي منَحَنا أياها اللهُ عز وجل فيما ينفعُ لدينِنا ودنيانا ، وأن لا نُعطّلها معتقدين بقصورِنا أو بفقدان الثقة في كفاءةِ عقولِ أهل هذا الزمان .

ودمتم مبدعين .