الفجر
4:00
الأحد 21 يونيه 2024 م

القِسطاس

   بواسطة : محمد بن مصلح ( أبو مشاري ) 2023-09-10

 

كتبه أبو مشاري :

-------------------

بينما كنت أحتسي كوباً من القهوةِ الغيرِ عربية في أحد ( الكوفيهات ) وأتأملُ في حركةِ الناسِ وتكتلاتِهم وأسمعُ حديثَ بعض من حولي في ذلك المقهى من الشبابِ وطموحاتهم وأسلوب حياتهم والذين أقتحمَت مسامعي جدالاتُهم البريئةُ بلا إستئذان ، وكنت أقارن بين ما أسمعه مع بعض ما تكتنزه نفسي من أفكارِ كبارِ السنِ الذين كنت أجالسُهم ، فجعلت أتأملُ في هذه الحياةِ ومراحلِها ومتناقضاتِها ، ووجدت رأسي أشبهُ بجهازِ خلّاطٍ العصائر حين يدلفُ فيه من كل بستانٍ ثمرةٌ ويُنتظَرُ منه مِزاجاً يستحلبُ اللعابَ وتستسيغه ذوائق الشاربين . فتناولت جوالي وسكبْت ما بي في هذه السطور لعل الله ينفعني بها ومن يقرأ  ..

 يمُرُّ الإنسانُ في مراحلِ حياتِه بمحطاتٍ من الأحداثِ والتجارب ، ويسمعُ خلالَ ذلك الطابور من السنين نصائحَ وآراءَ من هذا ومن ذاك ، فكلٌ يرى الحقيقة معه ومن زاويته ، بل يرى ذاته أحياناً هي الحقيقة نفسها .وقد تكون الحقيقةُ مع هذا ، وقد تكون مع ذاك ، وقد لا تمت لأحدِهما بِصِلة ..

فكلٌ يدّعي وصلاً بليلى ..

وليلى لا لذاكَ ولا لذاكَ .

من خبرتي المتواضعةِ وعمري المتأرجحِ بين الشبابِ والمشيبِ وجدتُ تجاذباتِ الفئاتِ المختلفةِ كالبحرِ المتلاطمِ الذي يأخذُك تارةً يمنةً وتارةً يسرة ، وهكذا ولكن إذا تأملَ الإنسانُ في سُنّة الله في خلقِه فسوفَ يجدُهم مختلفي المشاربِ ومتنوعي الرؤى ومتبايني الدرجات ، ليسوا سواء بل لا يزالون مختلفين ، وتلك الحقيقةُ التي لا مراءَ فيها ، إنما في النهاية الميزان بيدك ، فأنت صاحبُ القرارِ فيما يهتدي إليه تفكيرُك وعدلُك بعد توفيقِ الله وقد قيل أن الصاحب ساحب ، ويقول الشاعر :

إختر قرينَك واصطفيه تفاخراً

إن القرينَ إلى المقارنِ يُنسَبُ

تصحَبُ كبارَ السِن فتشعرُ بتغليبِ الجدّيةِ والإنضباطِ والوقارِ وتصويبِ النظرةِ لمرحلةِ النهاية .

وتصحَبُ الشبابَ فتجد المرحَ والتفاؤلَ والإنطلاقةَ والروحَ العاليةَ والتهوّرَ أحياناً .وكلٌّ يجذبُك لا إرادياً إلى ناحيته ويرى موقفَه هو الأصوب ..هنا عليك أن توزِنَ نفسَك بالقِسطاس فتجعلَ موقعَك بين هذا وذاك حتى لا تميلُ نفسُك فتحرُمها من مزايا كل مرحلة ..

تزورُ المستشفيات فتشعرُ بأن الحياةَ في خطرٍ وقتامة .. وتزور الأماكنَ الترفيهيةَ وتصحب المنطلقين فيها فتشعرُ بمتعةِ وجمالِ الحياة . هنا كُن وسَطاً وزِنْ الأمورَ بالقِسطاس المستقيم ولا تميل كل الميل .

تصحَبُ المتشددينَ فيأخذوك رويداً رويداً للتزمّت من حيث لا تشعر . وتصحَب المفرطين فيستميلوك إلى التقصير ثم إلى التفريط . هنا كُن مديرَ نفسِك ولا تسلّم مصيرك للجاذبين ، وزِن نفسك بالقسطاس المستقيم وكن معتدلاً كأحد أبناء أمَّةِ الوسط المسلمة . تصحَب المتشائمين فتُظلِم عليك الدنيا في أولِ إشراقاتِها كلّ صباح ، وتصحب المتفائلين فيُشرقُ أمامك نهارٌ جميلٌ بل وترى نورَ السعادةِ يخترقُ عتَمةَ المساء . قِسطاسُك هنا هو التفاؤل ، فذلك هو هديُ نبيِنا صلى لله عليه وسلم ، مع النظرِ بحذرٍ لما قد تجده أمامَك من أمورٍ تستوجبُ منك التخطيطَ الجيدَ لها بخطة ( أ ) وخطة ( ب ) وغيرهِما من بابِ العملِ بالأسباب .

تسمعُ من والدك المسن آراءً في كل أمور الحياة وتسمع من إبنك الشاب رأياً آخر في ذات المسائل ، فأوزن الأمور هنا بقِسطاسِك الذي ينظر لوالدِك الخبيرِ بعينٍ وينظر لإبنِك صاحبِ المرحلةِ الجديدةِ الواقعيةِ بالعينِ الأخرى ، واجعل بين ذلك قواما .

وهكذا في كل متناقضاتِ الحياة ، إجعلْ الميزانَ رفيقَ قراراتِك واجعلْ العدلَ هدفَك ، وقبل ذلك كلِّه إجعلْ معيارَ قِسطاسِك في كل الأمورِ هو رضا اللهِ عزَّ وجلّ .

ودمتم بودّ